حين كنت اقرأ عن مساوئ الأوضاع العامة في مصر في مجلة مثل "صباح الخير" بصياغة هزلية، كنت أضحك..
الآن يؤلمني التفكير في ذلك كله...
عن مصر وانتمائي المبرر لبلد لا دماء لي فيها ولا ناقة ولا جمل...
لم تبق مصر يوماً نفسها غريبةً عني...
فقد أدت سبع سنين من "ليالي الحلميه" دورها في تكوين صورة مصر في مخيلتي... وإن سمعت لحن المقدمة الآن عاد بي الزمان
إلى عمان القديمة كما أذكرها في صغري..في رمضان... أذكر تماماً لون المكان وعبقه كأني هناك لم أكبر أو ارحل و أسافر.... كنت ارسم صوراً لسراياها الواسعة، ثم يأخذني "بين القصرين" إلى احيائها الشعبيه فأمثل أدوار بناتها بأزيائهن المبهرة ...
ترميني شريهان في قصر من قصور الخيال ثم أعود إلى الواقع المرح مع "ستة ف خمسة ف تلتين يوم" ....
... أتقن أربع كلمات مصرية: "أماال" ... "ازيك" ... "جاكتة ( وكنت أقولها بالجيم المصرية على عكس ما يفعلون)... و-"النهاردة"...
ثم أرى الأهرام والنيل حقيقة ... وأرى الحنطور والبرج وورق البردي وخان الخليل...وأهم بفتح خزانة صغيرة في قصر الملك فاروق قبل أن يهرع ابي لأنقاذي من ورطة كبيرة ...وكل ذلك قبل أن أبلغ التاسعة أو العاشرة من عمري.....
ثم تأخذني شمسة ودانة القادمتان من تلك الجزيرة النائية في تلك المجلة في "رحلةٍ الى باريس" فيصبح بيتنا وشرفتنا، بفعل الخيال و ريشة إيهاب شاكر المبدعة، إحدى مقاهيها! .. وتتبعهن بقية الشخصيات المرسومة بأقلام مصرية.. لتحرك أقلامي فأرسم... وأتعلم من صباح الخير و روز اليوسف تفاصيل الكاريكاتير... و من حاكم وعمرو سليم ورحمة وبهجوري... .... واقرأ "نص الدنيا" مع أمي رحمها الله فأرى جانباً أخر من مصر... كأن مصر تمثلت أمامي بكل دقة وصفاء...
انتمي بعد ذلك سراً إلى عائلة ونيس.. فيتسع معجمي المصري ليشمل ألفاظ جديدة ... ويلتقط اللاوعي عندي تلك الأخلاق النبيلة التي سبق أن تناولتها من "آدم وحورية"...أتعلم من "بكيزة وزغلول" معنى التضحية و الصبر .. ومن "صباح الخير يا جاري" و "الزنكلوني".. .... من "عايز عروسة".. ومن عائلة الأستاز شلش... وحتى من بوجي وطمطم...
كان التلفزيون ... بغض النظر عن كون القناة اردنيه أو سورية ... تلفزيوناً مصرياً دائماً ... مع العلم أن هذا الكلام كان قبل الأقمار الصناعية..... وأنا من جيل التلفزيون ..الذي كان دائم الحياة شبه منعدم النوم في بيتنا
وحين نمت محبتي للقراءة، تبدت أمامي مكتبة والدي بسكانها...وأخذني توفيق الحكيم كعصفور من الشرق إلى باريس (ما سر حب المصريين لباريس؟؟) ... . وبينما غذى وصف نجيب محفوظ لشخصياته قدرتي على رسمها وتصورها... عرفتني خفة دم أحمد رجب على مصر المبتسمة المتفائلة دوماً..دوماً إن شاء الله...
ثم تختفي الألوان انما لتتلون أكثر في تلك الحكايات البيضاء والسوداء التي تعرضها الشاشة كل مساء... فبين فكاهة ماري منيب وجمال فاتن حمامة عالم كامل... ولكن هم خلف تلك الشاشة الصغيرة بالنسبة لي سواء... فأحيا أنا في تلك الحكايات وأصبح إحدى أبطالها... ارتدي ثياب شخصياتها وأتكلم بكلامها ... ويغني عبدالحليم لاردد أغانيه ... ثم أحاول تقليد إحسان عبد القدوس في كتابةروايات سينمائية.. !!
وأكثر... تفاصيل أكثر.... لا أقدر على جمعها الأن لكنها ستعود بمجرد إنتهائي من كتابة هذا الكلام...
إن لمصر أثر كبير علي... لن استطيع شرحه أكثر من ذلك... فبينما قد يستغرب البعض تعلقي بها... أدهش أنا لاستغرابهم .. ...
لمصر عندي صورة ... قدتختلف كل الاختلاف عن الصورة الحقيقية... لكنها مصر كما أراها أنا.... كما ارتسمت و صنعتها كل تلك التفاصيل التي، في الواقع، إليها انتمي...
صبا ساهر بشناق 7 / 2/ 2011
No comments:
Post a Comment